محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
392
بدائع السلك في طبائع الملك
الوصية بهم ، لا وضح دليل على نهج من سلك من جادة العمل بهما على واضحة السبيل . وفي العهود اليونانية : « واعلم أن مواقع العلماء في مملكتك مواقع المصابيح من دارك ، فان اضاءتها على حسب تعاهدك إياها ، فلا تشغلها بالكدح في معايشها ، وأعنها بما يقر عينا لتحسن ما يحسن إياك ، وبفضل دولتك ، وأذكر ما في الصحيفة الصفراء ، أشد الأزمنة زمان شغل فيه العالم عن عمله ، وتفرغ فيه الهازل بهزله ، وأجدت فيه الرذائل ، وأكدت فيه الفضائل ، فان بمثله تختم الدول ، وتدال الدهور « 878 » . المسألة الثالثة : من كافي المنقول في العمل بهذه العناية مع الاعراض عن موجب الضر ، لظهور عودها بخالص النصح حكايتان . الحكاية الأولى : روى المقري في التحف والطرف : أن القاضي أبا عبد الله « 879 » بن أبي الصبر أمر الوالي بفاس أن يبني فندق الشماعين بها ، وكان قد خرب فتوقف ، حتى يأذن السلطان فقال : أسلفني ما أبنيه به ، فان أجاز ذلك السلطان ، والا رددته عليك ؛ ففعل فلما طولب ، ذكر ما قال له القاضي ، فغضب السلطان ، وبعث فيه . فجعل المبعوثون يأتونه واحدا واحدا ، وهو متمهل ، في وضوئه واصلاح زيه ومركوبه ، ثم جعل يمشي الهوينا ، فلقيه ابنه ، فقال له : أسرع لقد أكثر السلطان من التوجيه إليك ، وهو واجد عليك فقال : مسكين أبو يحيى خاف ، وثبت على حاله ، إلى أن لقي بعض الصالحين ، فتعرض اليه فقال : قل بخفى لطفك ، بلطيف صنعك ، بجميل سترك ، دخلت في كنفك ، تشفعت بنبيك . فحفظه ثم طلبه ، فلم يجده ، فجعل يقول ذلك ، فلما رآه السلطان ، سكن ما به ، ثم سأله عن ذلك برفق فقال : كرهت
--> ( 878 ) عهود : ص 21 مع اختلاف . ( 879 ) أبو عبد الله بن أبي الصبر : هو أيوب بن أحمد بن محمد بن عمر الفهري ، من أهل سبتة ، ويكنى أبا الصبر ، تجول بالأندلس وأخذ عن علماء قرطبة ، ثم رحل إلى المشرق ، وحج والتقى ببعض علمائها وصلحائها ، وقد تكررت هذه الرحلة ، ثم قعد بجامع سبتة للتدريس ، وأخذ عنه خلق كثير ، وقد استشهد بالعقاب يوم الاثنين الرابع عشر من صفر عام 609 ه ، من الذيل لابن سعادة ، أنظر جذوة الاقتباس فيمن حل بفاس ، للعلامة أحمد بن محمد الشهير بأبي القاضي ص 100 - 101 .